كيف تُدير مرحلة البحث عن وظيفة
مرحلة البحث عن وظيفة مرحلة ثقيلة ومليئة بالقلق والغموض. اجتيازك لهذه المرحلة بنجاح لا يصنعه الحظ، بل طريقة إدارتك لها. في هذه التدوينة نشارك نصائحًا عملية وموارد لإدارة مرحلة البحث عن وظيفة، وتحويلها من عبء مرهق إلى نقطة انطلاق جديدة، بمشيئة الله!
جدول المحتويات
البحث عن عمل من أكثر المراحل التي تختبر الإنسان نفسيًا ومهنيًا. أكتب هذا التدوينة من تجربة شخصية مررت بها مرتين. الأولى عندما أنهيت دراستي للماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية وعدت إلى ليبيا دون أن يكون لدي أي عرض عمل أو خطة واضحة. فبعد سنوات من الاجتهاد الأكاديمي، وجدت نفسي أمام فراغ مهني وشعور ثقيل بعدم اليقين، لكن الله وفقني للحصول على وظيفة في شركة أحلامي، شلمبرجير. للأسف ذلك لم يدم طويلًا لأن الشركة اضطرت للاستغناء عني (تقليص) خلال فترة صعبة مرّ بها قطاع النفط والغاز في ليبيا بعد 2011. عُرضت عليّ حينها فرصة الانتقال إلى أوروبا، لكن جواز سفري لم يسمح لي بالسفر، وعدت مجددًا إلى نقطة البحث.
مرّ صديقي معاذ، مدوِّن ليبي، بتحدٍ مشابه نشر عنه في مدونته الشخصية، لم يتم فصله من عمله، بل إن وظيفته تم الاستغناء عنها بسبب نقص الموارد المادية للمنظمة التي كان يعمل بها مما أدى إلى فقدانه لعمله في يناير 2025. يقول معاذ في إحدى تدويناته "لا أحد يحب أن يخسر وظيفته، ويعلم الله أن هذا الأمر يثقل كاهلي، ولكن ما باليد حيلة." يقول معاذ أن هذا "أول شهر رمضان بدون عمل منذ زمن طويل!"، وعبّر في تدوينة أخرى عن استغرابه وإحباطه، كباحث عن العمل حاليًا، من تصرف بعض الجهات والشركات، والطريقة التي يتعاملون بها مع المرشح للوظيفة، عقب إجراء المقابلة الشخصية.
أنا أعتقد أن هناك تحديًا حقيقيًا في إدارة مرحلة البحث عن عمل، لذلك أشارك في هذه التدوينة خلاصة ما تعلمته من تجربتي، وما كنت أتمنى أن أعرفه مبكرًا لعلّه يفيد الباحثين عن عمل.
البطالة مش إجازة
أول ما يجب إدراكه هو أن البطالة ليست إجازة. عدم وجود وظيفة لا يعني أن يتحول يومك إلى فوضى أو أن تستيقظ ظهرًا بلا خطة. على العكس، هذه المرحلة تحتاج إلى انضباط أكبر من أي وقت آخر. وجود روتين يومي ثابت: الاستيقاظ مبكرًا، الاهتمام بالنظافة والقيافة الشخصية، وتنظيم ساعات اليوم، إلخ، ليس أمرًا شكليًا، بل ضرورة نفسية.
عندما تفقد عملك، تفقد جزءًا من الهيكل الذي ينظم حياتك. وإن لم تبنِ هيكلًا بديلًا بنفسك، ستبدأ الفوضى بالتسلل إلى يومك، ثم إلى حالتك النفسية. الحفاظ على الروتين يحميك من الانزلاق إلى الإحباط ويُبقيك في حالة جاهزية.
السيرة الذاتية وخطاب التقديم
السيرة الذاتية (CV) وخطاب التقديم (Cover Letter) تحتاج إلى اهتمام خاص، فتحديثها أمر أساسي، لكن الأهم هو تخصيصها لكل وظيفة يتم التقديم عليها. إرسال نفس السيرة إلى جميع الجهات يقلل فرصك ويُعطي انطباعًا بأنك كسول وغير مهتم، خصوصًا أن الأمر قد أصبح أسهل اليوم من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT أو Gemini، للمساعدة في تحسين السيرة الذاتية وخطابات التقديم.
وفي هذا الصدد، نريد تسليط الضوء على صانع محتوي ليبي، محمد الباوندي، والذي نشر سلسلتين عن التوظيف في ليبيا، سلسلة "عُقدة 1" و "عُقدة 2"، حيث يتعمق محمد الباوندي في السلسلة الأولى في موضوع السيرة الذاتية وخطاب التقديم (أو "رسالة الحافز" كما يسميها)، أما السلسلة الثانية فهي عن مقابلات العمل (Job Interviews). انقر على الروابط السابقة للوصول إلى الـ Playlist على منصة يوتيوب. قد تجدون في سلسلة "لخّص النت" مواردًا أخرى مفيدة للعمل والتطوير الشخصي.
اعتبر "البحث عن وظيفة" وظيفة
البحث عن عمل يجب أن يُعامل كعمل بحد ذاته. فكثيرون يتعاملون معه بعشوائية: تقديم سريع وكسول هنا وهناك، دون تنظيم أو متابعة. الواجب هو تخصيص ساعات يومية ثابتة في فترة النهار، أي فترة دوام الأعمال المعتادة، للبحث عن الوظائف والتقديم لها، ومتابعة الإعلانات الوظيفية بشكل منهجي، وتسجيل الوظائف التي تم التقديم لها، إلخ. التنظيم والاستمرارية أهم بكثير من الحماس المؤقت، والتراكم اليومي في المجهود هو ما سيصنع الفرق، إلا لو عندك واسطة أو كنت "نيبو بيبي" (طفل محسوبية).
ابحث عن العمل خارج البيت
كما وضحنا، البحث عن عمل يجب أن يُعامل كعمل بحد ذاته، ونحن نقترح ألا تقوم بذلك من البيت. اخرج إلى مقهى، حديقة عامة، خذ حاسوبك أو هاتفك الجوال معك، واجلس وابحث عن وظيفة. خروجك من المنزل يعطيك إحساسًا بأنك ذاهب إلى عمل، حتى لو كان هذا العمل هو البحث عن عمل. الاستماع لما يدور حولك، رؤية الناس تتحرك، والالتزام بساعات محددة، كلها عوامل تساعدك على التعامل مع البحث بجدية.
لحسن الحظ، تُنشر أغلب الفرص الوظيفية اليوم على الإنترنت. إنها بالفعل نعمة كبيرة. ولتسهيل الأمر على الباحثين عن عمل في ليبيا، قمنا بتجميع قائمة بأهم منصات التوظيف في ليبيا.
السيطرة على التفكير السلبي
الفراغ يمنح مساحة للأصوات السلبية التي داخل عقلك. لا تستسلم للأفكار السلبية العشوائية والتفكير المفرط (Overthinking)، بل اجعل التفكير يحدث من خلال عملية ممنهجة وواعية، حيث تدير أنت أفكارك، لا أن تتحكم أفكارك بك. الحفاظ على النشاط والانشغال بما ذُكر في هذه التدوينة سيساعدك كثيرًا في التحكم بعقلك وتجنب الانغماس في التفكير المفرط الذي لا يؤدي إلى أي نتائج.
الاستفادة من منصة LinkedIn
منصة LinkedIn ليست مجرد منصة لنشر الوظائف، بل شبكة لبناء علاقات مهنية قوية. إنها بالفعل من أعظم الهدايا التي قدّمها الإنترنت للباحثين عن عمل، لأنها تمنحك الوصول المباشر إلى محترفين، ومدراء، وشركات دون وسطاء.
لكن الاستفادة الحقيقية من منصة LinkedIn لا تكون بنشر منشورات تطلب فيها وظيفة، بل من المهم:
- نشر محتوى يعكس شغفك، قيمك، وخبرتك
- بناء شبكة علاقات نشطة من خلال متابعة أو إضافة المحترفين في مجالك
- التفاعل مع محتوى الآخرين وكذلك الشركات التي تهتم بالعمل معها
- مشاركة نجاحاتك، مثلًا شهادة إكمال دورة تدريبية وما تعلمته من الدورة
حضورك الرقمي جزء من هويتك المهنية، وأحيانًا قد يكون سببًا في وصولك إلى وظيفة أحلامك!
القبول بأي عمل، بشكل مؤقت
في بعض الحالات، يكون من الضروري قبول أي عمل مؤقت أو بدء بزنس صغير إلى أن تتوفر الفرصة المناسبة. هذا القرار قد يكون صعبًا، خصوصًا بعد تجربة مهنية جيدة أو مؤهل أكاديمي عالٍ، لكن من المهم الفصل بين الطموح والواقع.
العمل المؤقت ليس تراجعًا عن الهدف، ولست ملزمًا بإدراجه في سيرتك الذاتية، بل هو وسيلة للحفاظ على الاستقرار المادي والنفسي. وجود دخل، حتى لو كان محدودًا، يخفف الضغط ويمنحك مساحة أهدأ للتفكير والتخطيط والبحث عن وظيفة أخرى. كما أنه يحافظ على إيقاع الحياة والانضباط اليومي، وهما عنصران مهمان خلال أي مرحلة انتقالية.
استثمر فترة الفراغ في التطوير الشخصي
الفجوة الزمنية بين وظيفتين قد تثير أسئلة لاحقًا خلال مقابلة العمل، "ماذا فعلت في فترة فراغك؟"، لذلك من الأفضل أن تجعلها فترة سعي ونمو لا فترة ركود وانتظار. الاستثمار في التعلُّم خلال هذه المرحلة خطوة استراتيجية.
منصات مجانية بجودة عالية وتمنح شهادات:
استمتع بوقتك!
ومع كل ما سبق، لا تنسَ أن تستمتع بهذه المرحلة أيضًا، فكونك حرًا من أي التزام وظيفي هي رفاهية قد لا تدوم طويلًا، وفي الأكيد لن تدوم للأبد، فأنا لا أعرف أي شخص بقي عاطلًا عن العمل للأبد، لذلك:
- مارس هواياتك
- جرّب أشياء جديدة
- سافر، إن كانت لديك مدخرات كافية
- شاهد من حولك واستلهِم منهم. أنا شخصيًا أحب زيارة شوارع المدينة القديمة في طرابلس ومشاهدة الناس الذين يمارسون أعمالًا غير تقليدية وأقول لنفسي: "لم أكن أعلم أن هناك من يحقق دخلًا من هذا العمل!".ذلك يجعلني أتيقن أن العالم مليء بالفرص للجميع، المفتاح هو البقاء منفتحًا وعدم فقدان الأمل.
التفكير خارج الصندوق
أخيرًا، هل سبق وتسائلت: ربما الوظيفة التقليدية ليست مستقبلك، وربما مجالك الدراسي ليس ما ستستمر فيه طوال حياتك. هل فكرت يومًا في:
- بدء مشروعك الخاص؟
- تحويل مسارك المهني لشيء جديد؟
- اكتشاف شغف جديد يمكن تحويله إلى مصدر دخل؟
هذه ليست دعوة للتخلي عن بحثك الوظيفي بقدر ما هي دعوة للبقاء منفتحًا لكل الفرص تقابلك!
الخلاصة ✦
تتناول التدوينة تجربة شخصية مع فقدان الوظيفة والعودة إلى نقطة الصفر في البحث عن عمل، موضحًا أن هذه المرحلة تُعد اختبارًا نفسيًا ومهنيًا حقيقيًا. يوضح الكاتب أن البطالة ليست إجازة، بل فترة تحتاج إلى انضباط وروتين يومي يحافظ على التوازن النفسي، مثل الاستيقاظ المبكر وتنظيم الوقت والتعامل مع البحث كأنه وظيفة بدوام منتظم. يشدد الكاتب على أهمية تخصيص السيرة الذاتية وخطاب التقديم لكل فرصة وظيفية وعدم التقديم العشوائي. كما يُبرز دور منصة LinkedIn في بناء شبكة علاقات مهنية حقيقية عبر نشر محتوى يعكس الخبرة والتفاعل مع الآخرين، وليس فقط نشر منشورات "باحث عن وظيفة". وينبه إلى ضرورة السيطرة على التفكير السلبي خلال فترات الفراغ، واستثمار الوقت في التعلم والتطوير الذاتي من خلال منصات مثل HP LIFE وإدراك. كذلك يشير إلى أن قبول عمل مؤقت ليس فشلًا بل وسيلة للحفاظ على الاستقرار المادي والنفسي، مع الدعوة للبقاء منفتحًا على فرص جديدة وربما إعادة التفكير في المسار المهني أو بدء مشروع خاص. الخلاصة أن مرحلة البحث عن عمل يمكن أن تتحول من فترة إحباط إلى محطة إعادة بناء ونقطة انطلاق أقوى إذا أُديرت بوعي وصبر واستمرارية.