لماذا تنتج الاستبيانات في ليبيا بيانات غير دقيقة؟
الاستبيانات موجودة في كل مكان: في الجامعات، والشركات، والمؤسسات، وحتى بعد كل خدمة أو عملية شراء. عندما تُبنى هذه الخيارات على افتراضات الباحث بدلًا من واقع الجمهور المستهدف، تصبح النتائج منحازة قبل أن يبدأ تحليل البيانات أصلًا. في هذه التدوينة، أتناول هذه المشكلة، وكيف يمكن تجنبها بأسلوب بسيط ينتج بيانات أكثر دقة وفائدة.
جدول المحتويات
المقدمة والسياق
أصبحت الاستبيانات (Questionnaires) عبر الإنترنت من أكثر أدوات جمع البيانات استخدامًا في ليبيا نظرًا لسهولتها*، حيث يعتمد عليها طلاب الجامعات بكثرة في مشاريع التخرج ورسائل الماجستير، كما أنها تُستخدم من قِبل الشركات لفهم العملاء، والاستعلام عن رضاهم، وغير ذلك.
لكن هناك مشكلة ألاحظها باستمرار دفعتني لكتابة هذه التدوينة: خيارات الإجابة في كثير من الاستبيانات غير مدروسة ولا تعكس الواقع، أو على الأقل واقعي أنا!
كمشارك في العديد من الاستبيانات، كثيرًا ما أجد أن الإجابة التي تمثلني غير موجودة ضمن الخيارات المتاحة، وأحيانًا لا يوجد خيار "أُخرى..." أو "خلاف ذلك..." (أى: Other) لأتمكن من إدخال إجاباتي بالكتابة.
وحتى عندما يتوفر خيار "أُخرى..." لإدخال إجابة غير موجودة ضمن الخيارات المحددة، ينتابني شعور بأن هذه الإجابات المكتوبة لا تحظى باهتمامٍ كافٍ من طرف الباحث لأنها تتطلب جهدًا إضافيًا في التحليل مقارنة بتحليل الخيارات المغلقة، وبالتالي يتم تكديسها جميعًا تحت مصنَّف "أُخرى"، وخلاص!
الاستبيانات غير المدروسة تؤدي إلى نتائج مضللة
في كثير من الأحيان، يبدو لي أن خيارات الإجابة في الاستبيانات قد نتجت عن افتراضات (Assumptions) من الباحث، أو جلسة عصف ذهني (Brainstorming) بين الباحث وفريقه، أو كاقتراحات من الذكاء الاصطناعي، وليس عن فهم حقيقي للشريحة المستهدفة.
مثال من الواقع الليبي: أجرت إحدى شركات خدمات الاتصالات والإنترنت الليبية من مدة استبيانًا رقميًا حول رضا العملاء عن خدماتها. تم إرسال هذا الاستبيان عبر الرسائل النصية القصيرة (SMS)، والرسالة تحوي رابطًا لنماذج جوجل (Google Forms) والتي يشيع استخدامها في ليبيا.
الخيارات المتاحة للإجابة في الاستبيان لم تكن شاملة. على سبيل المثال، لا الحصر، لا أتذكر أن الخيارات شملت بطء تطبيق الجوال الخاص بهم، أو سوء جودة الورق المستخدم في بطاقات الدفع المسبق (Pre-paid cards)، أو الإزعاج الناجم عن الرسائل الدعائية عديمة الصلة بالعميل، أو أزمة عدم وصول رسائل الـ OTP، وغيرها. أتذكر جيدًا أنني اطلعت على كل أسئلة الاستبيان ثم أغلقته دون إجابة.
هل تم استبعاد هذه الخيارات عن قصد؟ أم أن القائمين على الاستبيان لم يدركوا أصلًا أنها تمثل مشاكلًا حقيقية لدى العملاء؟ أم أن هناك أسبابًا منهجية أخرى وراء استبعادها؟
لا أعرف الإجابة على تلك الأسئلة، ولا يمكنني الترجيح بين تلك الاحتمالات، ولكن، من وجهة نظر بحثية، سواء كان الاستبعاد مقصودًا أو غير مقصود، فالنتيجة واحدة: تصميم الاستبيان غير مناسب إذا كان الهدف هو استكشاف جميع مصادر سخط العملاء.
لهذا السبب يجب أن تُبنى خيارات الإجابة على فهم مسبق للجمهور المستهدف، لا على افتراضات أو تحيزات الباحث أو المؤسسة، تجنبًا لأن تكون البيانات الناتجة من الاستبيان منحازة (Biased or Skewed) قبل أن تبدأ عملية التحليل أصلًا!
الحل: كيف تبني استبيانًا ينتج بيانات أكثر دقة؟
إن كنت تريد تصميم استبيان ينتج بيانات أكثر دقة، فمن الأفضل أن تبدأ بـ بحث نوعي (Qualitative Research)، كالتالي:
- أجرِ مقابلات مع عينة صغيرة من الأشخاص الذين يمثلون الفئة المستهدفة تمثيلًا جيدًا، مع الحرص على التنوع.
- اطرح عليهم أسئلة مفتوحة (Open-ended questions) بدلًا من أسئلة متعددة الخيارات. يعني خليهم يهدرزوا ويفضفضوا!
- بعد ذلك، حلّل الإجابات وابحث عن الأنماط (Patterns/ themes) في الإجابات.
بعد ذلك، يمكنك إجراء البحث الكمي (Quantitative Research) عن طريق الاستبيانات، كالتالي:
- ابنِ الاستبيان باستخدام الأنماط التي استخرجتها من الخطوة 3 أعلاه.
- وزّع الاستبيان على عينة أكبر لمعرفة مدى انتشار هذه الأنماط بين الجمهور الأوسع.
- وتم!
لا يهم إن كان الاستبيان رقميًا، أو ورقيًا، أو حتى صوتيًا (عبر مكالمة هاتفية)، أو بأي وسيلة أخرى. المهم أن تكون خيارات الإجابة مبنية على فهم جيد للواقع الذي تحاول قياسه.
طبعًا توجد طرق وأساليب أخرى لإجراء بحث نوعي ناجح، لكنني ذكرت مثالًا واحدًا (أي المقابلات) لتجنب الإطالة.
العصف الذهني أو الذكاء الاصطناعي لا يكفيان
العصف الذهني والذكاء الاصطناعي قد يساعدانك بفعالية في التجهيز للمقابلات وتحليل الإجابات، لكن لا هذا ولا ذاك يستطيع أن يحل محل الجمهور المستهدف. لذلك، إذا كنت تصمم استبيانًا خاصًا بعملائك أو بطلاب جامعة معينة أو بمستخدمي خدمة محددة، فمن الأفضل أن تأتي خيارات الإجابة منهم هم مباشرة (من خلال التحليل النوعي الموضح أعلاه)، لا من افتراضات الباحث أو من اقتراحات الـ AI.
متى يمكنك استخدام أسئلة وخيارات جاهزة؟
في حال كنت تقيس مؤشرًا معروفًا، على سبيل المثال: مؤشر التوصية بالعلامة التجارية (Net Promoter Score أو اختصارًا "NPS")، فيمكنك غالبًا استخدام خيارات الإجابة الجاهزة كما هي لأن هذه المقاييس تم اختبارها واستخدامها على نطاق واسع.
أما إذا كنت تصمم أسئلة خاصة ببحثك أو مؤسستك، فمن الأفضل أن تبني الخيارات بناءً على فهمك للجمهور المستهدف.
* كما رأينا، تصميم استبيان جيد ليس مهمة سهلة أو سريعة، لكن ما يحدث هو أن بعض الباحثين أو القائمين على الاستبيان يلجؤون إلى إعداد استبيانات سريعة وتوزيعها دون بذل الجهد الكافي في تصميمها، مما يجعل العملية سهلة بالنسبة لهم، أي لا لأن بناء الاستبيان أمر سهل، بل لأنهم يتجاوزون الكثير من العمل المطلوب للوصول إلى نتائج ذات قيمة.
الخلاصة ✦
تتناول هذه التدوينة مشكلة شائعة في تصميم الاستبيانات، وهي أن خيارات الإجابة كثيرًا ما تُبنى على افتراضات الباحث أو المؤسسة بدلًا من أن تستند إلى فهم حقيقي للجمهور المستهدف، مما يؤدي إلى بيانات منحازة ونتائج قد لا تعكس الواقع. ويستعرض الكاتب مثالًا من الواقع الليبي لتوضيح كيف يمكن أن تؤدي الخيارات غير الشاملة إلى إغفال مشكلات حقيقية لدى المشاركين، ثم يقترح منهجًا أكثر دقة يبدأ ببحث نوعي يعتمد على المقابلات والأسئلة المفتوحة لاستخراج الأنماط من إجابات الجمهور، ثم الانتقال إلى تصميم استبيان كمي مبني على تلك النتائج.